دليل الحياه

دليل الحياة

خريف عام 1997

 أنا أدعى اسامة حمدان ابلغ من العمر خمسة وعشرون عاما أحمل شهادة في العلوم الأقتصادية ومن هواياتي قرأة القصص التى تحمل طابع الغموض والتشويق وأقضي وقتي كُله هكذا بالقرائه فليس لي أصدقاء مقربين أو أحباء بالأضافة الى أنه ليس لي أهداف معينة أسعى لأجله أيضا خاصة بعد أن فقدتُ مربياي اللذان أشرفا على رعايتي بعد وفاة والداي الحقيقيان في حادث سيارة مؤسف وقع لهما بسبب شاب طائش كان يقود سيارتة بسرعة جنونية فقتلهما معاً .

بعد أن أنتهت مراسم الدفن تسلمتُ تركة لابأس بها من مربيتي التي سبقها زوجها بأشهر. قررتُ حينها الأنتقال مـن حياة الـريف الى حياة المـدينة فـي بناء حـديث الانشاء بالطابـق الرابع بشقة ذات شرفـة جميلة كانت هـيَ سـبب إبتياعي لتلكَ الشقـة الرومانسية لانها تطل على شـارع عـريـق يقابله علـى طـول النظر أبنيـه متجـاورة قديمة جـميلة في ذلكَ الشـارع ذو الهواء المنعش المتميز بهدوئة الرائع لقلة الازدحام خاصة في فترة الليل فانا اعشق الهدوء.

وهذا ما جعلني مدمناً بالجلوس في شرفتي على الكرسي الهزاز مع قهوتي في كل مساء بصحبة قصص الكاتبة الانجليزية( أغاثا كرستي )على أنغام أجمل الأغاني الهادئة التى أحبها مثل اغنية (هلوا ) للمغني الامريكي (ليونيل رتشي) وكم كنتُ أتمنى لو أنني ألتحقتُ بكلية الأداب بدلاً من كلية الأقتصاد كما أرادة لي مربيتي وزوجها الذان أكن لهما كل الحب والأمتنان لما قدماه لي من رعاية وعطف.

فمنذو كنتُ صغيراً تعهدا برعايتي لمديرة دار الأيتام ,ولاعجب في ذلكَ فقد كنتُ أولى اهتمامهم الزوجين العقيمين ,ورغم عدم قدرتهم على الانجاب تعاهدا على المسير قُدُما في الحياة بحلوها ومرها لأنهم أحبا بعضهما كثيراً حتى أتيتُ أنا وصرتُ ثالثهما وحظيتُ بكل حب وعطف العالم والعيش الكريم اللذان منحاني أياه ولذلكَ ماكنتُ أقوى على مخالفت رغبتهم مهما كانت ,ولكن وعلى الرغم من ذالك كله كـان هناك شيئ واحـد فقط ينغص علـي عيشي أحياناً ولازال هـو أني لأعلـم مـاذا أريد مـن هـذه الحياة فقـد كنتُ أشبه بمـن أضاع نفسـة منهُ وإنتظـرهـا تاتي اليه مـن الضياع وما زاد شعوري بضياع وفاة مربياي فعندما كانا على قيد الحياة كنتُ اسعى دوماً لإرضائهما تعبيراً عن الجميل الذي قدماه لي وهذا ما كن يشغلني

اما الأن لـم أعـد املك شيئ أسعى إليـه سوى أضاعت الوقت وتبديدة بجميع الأشياء التي أحـب القيام بها وهـيَ قـراءة القصص والأسـتمتاع للأغـاني الأجنبية ذات الطابـع الهـادئ .

وفي ذات مساء مقمر يعمه الهدوئ جلستُ في شرفة كعادتي وأخذتُ أقرأ في أحدى القصص البوليسية ,توقفتُ لألتقط قدح القهوة من على الطاولة المستديره أمامي إرتشفت منه ثم إعتدلت في جلستي وأخذتُ احرك الكرسي الهزاز الى الأمام والى الخلف وأنا أروح بناظري لتلكَ الأبنية أمامي وعجباً ما رأيتُ فقد رأيتُ القمر بوجه فتاة تقف في نافذة شقتها ذات الضوء الأصفر الخافت وهي تداعب شعرها الأسود الطويل الناعم بأصابع يدها وتنظر الى القمر وسط السماء .

لم أشعر بنفسي لما وقفت على قدماي وأخذتُ أتابع النظر إليها وأتأمل سحرها الأخاذ الملفت للأنتباه, ولاكن ما لبثت الفتاة ذات قميص النوم الابيض الساحرة أن إستنشقت بعض الهواء المنعش ثم أسدلت ستارة النافذة معلنة أنتهاء أللقاء بالنسبة لي .

مـاكان من الـدقائق القليلة التي رأيت بها تلك الساحرة البيضاء إلا أن أثـارة حفيظتي ومشـاعـري وأفكاري على حد سواء فقررتُ مراسـلتها مـن شرفتي عـن طـريق الأشارة كي يتسنى لي التعـرف بها.

ثم عدتُ بعدها لإستكمال مابدأته من قراءة ولازالت هيئة الفتاه لاتفارق مخيلتي حتى صرتُ أنتظر بشوق قدوم ليلة الغد .

وفي مساء اليوم التالي الذي رحتُ أعدُ الساعات والدقائق لقدومة والذي لم يكن ليقل جمالاً ورونقاً عن المساء الذي سبقة , إلتقط الكاسيت وأدرتة لأستمع لأُغنيتي المفضلة أغنية ( هلو ) وأنتظرت الفتاة التي حظيت بكامل تفكيري أن تشرق بسحرها من نافذتها إضافة الى القمر ذا الضوء االأبيض الخلاب المستدير وسط السماء .

لـم يطل إنتظاري وأنـا أردد كلمات الأغنية مـع الكاسيت حتى قـرع جـرس الباب إذ تـركت منصتي وذهبتُ لأرى مـن بالباب ولكنى لـم أجـد أحـدا, تعجبتُ لثواني وأقفلتُ الباب وعدةُ لشرفتي ل أستأنف النظر الى النافذة التي أنارة وأنارة وجهي بالأبتسامة معها .

ولاكني ما أطَلـتُ النظر الى النافذة حتى أصبحتُ شاهـداً على جـريمة قتل رجـل على يـد الفتاة بعدأن غرست سكينها التى تحملها وراء ظهرها لتضعها في خاصرة الرجل اليسرى وهيَ تعانقه مما أصابني بالذهول والخوف ,من ذلكَ المشهد المفزع والرجل يهوي من طولة ممدداً على الارض والفتاة تنظر إلية والسكين بيدها وهيَ تنزف قطرات دماء الرجل من نصلها العريض رفيع المقدمة .

هرعتُ مسرعاً الى قسم الشرطة للأبلاغ عن عما رأت عيناي في نافذة فتاة شعرتُ قبلها بأنها ملاك من السماء يحيا على كوكب الأرض ,وبدى الشحوب والذهول واضحان على وجهي وأنا أسرد لضابط الشرطة تفاصيل الجريمة التى وقعت في البناء المقابل لشقتي.

ثم إصطحبتُ رجال الشرطة للبناء الذي وقعت به الجريمة بالطابق الثالث المقابل لشقتي على الجانب الآخربالطابق الرابع .

خرجة الجارة على صوت طرقات باب الشقة الذي لم يقم أحد بفتحه لتعلمنا بأن من كان يعيش بداخل قد غادراها صباح هذا اليوم ,فأثارغضبي حديثها واجهشت بصراخ في وجهها وأنا أتحدث عن مارأت عيناي من جريمة قبل مايقارب الربع ساعة من الزمن ولكن دون جدوى فلم اسشعر بأن هناك من يصدقني.

وبعد ذالك الموقف المحرج طلب رجال الشرطة أن أصطحبهم الى شقتي التي رأيت من خلالها الجريمة لأستكمال المحضر, فصطحبتهم الى شقتي وكان ذلكَ دليلاً قاطعاً بالنسبة لهـم بأنني أهـذي وأحلـم بسبب رؤيتهـم لكل تلكَ الروايات البوليسية فـي مكتبي الصغير داخل الصالة , ثم غادر رجال الشرطة شقتي بعد أن طلبوا مني عدم القيام بأزعاجهم مرة أخرى كي لا أجلب المتاعب لنفسي .

وبعد مغادرتهم رُحتُ في التفكير غَرقاَ حتى كاد يفقدني صوابي, وانا اقول لنفسي: ما رأيت ليس خيالاً أو حُلم يقظية,أنما جريمة قتل حقيقية راح ضحيتها شاب مجهول والقاتلة لاتزال طليقة وأنا واثق من ذلكَ من أنه حقيقة وليس وهماً وأخذتُ طوال تلكَ الليلة أفكر بما حدث وما أفعل قبل أن أخرج بقرار التسلل خلسة لتلكَ الشقة دون أن يشعر بذالك أحدا.

أنتظرتُ حتى هبط المساء في اليوم التالي , ودخلت الشقة من خلال النافذة التي فتحتها بطريقة اللصوص وقد تعلمتُ ذلكَ من خلال الروايات البوليسية , وعندما أصبحتُ في الداخل صُعقتُ مما رأيت فكل شيء كان مرتب ونظيف داخل المكان لايوحي أنهُ حدث بداخله أية جريمة , ولكـن لـم أكترث لترتيب السشقة ورحتُ ابحث هنا وهنـاك وأقلب كل محتواياتها رأساً على عقب لعلي أجـد تفسيراً واحـداً يُخبر عقلي الـذي كدتُ أن أفقدة حقيقة ما جرى ولكني لم أجد شيئاً على الاطلاق.

خرجتُ مسرعاً من الشقة وأنفاسي تضيق بصدري متجهاً الى وسط الشارع لأقف بمنتصفه وأصرخ بأعلى صوتي كالمجنون محدثاً نفسي عما يحدث حولي من ألغاز ثم انحنيتُ راكعاً على ركبتاي باسطا ذراعي بالاسفلت أنغمس في بكائي المرير أُحدق بالأسفلت الذي يعكس ضوء أعمدة الأنارة الصفراء,و بعد لحظات تماكت نفسي قليلاً ,وقفتُ منتصبا من جديد مسحتُ دموعي وتصنعتُ إبتسامة خفيفة مليئة بالحزن, فيماكنت أتلفتُ حزناً أناظر الجيران الواقفة بنوافذهم وشرفاتهم يتابعون النظر لي حيثُ أقف, لما خرجوا على صوت صراخي.

وفي أثناء ما كنت أتلفتُ الناس وقـع بصري على نافذة في البناء الذي أسكنه بالطابق الذي يدنو شقتي تماما والتي بها فتاة تقف بدت لي للوهلة الاولى مألوفة وكأنني رأيتها من قبل الذي ليس ببعيد .

لأدري ماأصابني في تلكَ الحظة من حالة إسترجاع الذاكرة إذ ألتفتُ الى النافذة المقابلة لها في البناء على يميني مكان الجريمة ومارأيت عجباً كأنني أنظر في مرآة صورة الفتاه تقف في تلكَ النافذ,نافذة الجريمة أيقنتُ حينها بأن مارأيت ليس إلا أنعكاس الضوء على زجاج النافذة المظلمة مسدلت الستائر وإن الجريمة الحقيقية وقعت بالفعل في الطابق الثالث من نفس البناء الذي أسكنه.

أسرعت الى شقتي لأستجمع بعض أفكاري وأجد طريقة أضع بها تلكَ المجرمة في متناول العدالة لتنال جزائها العادل بما إقترفت يداها.

ثم خرجتُ بقرار خطير نوعاً ما هو أن أقوم بمواجهتها وإجبارها على الأعتراف, أنتظرت حتى غادر أخوتها في صبيحة اليوم التالي نزلت وقفتُ بالباب وقرعتُ الجرس ماأطالت حتى فتحت الباب إقتحمتُ الشقة واجهتها بتفاصيل الجريمة بدقه مما أربكها ذالك وأجبرها على الاعتراف, ثم أقتدتها إلى قسم الشرطة لتنال وأخواتها جزاء ما صنعت أيديهم , وهكذا كشفتُ جريمة للعدالة كادت أن تصيبني بالجنون .

أما بعد كل تلكَ الأحداث الزاخرة عادت من ذقتُ من أجلها طعم التصميم والنجاح بعد الأحباط والفشل أتت تلكَ الفتاة فتاة القمر التي ذهبتُ لمقابلتها لقراري الزواج بها ولكن الحظ لم يكن يحالفني مع تلكَ العمياء الفاتنة ذات الرونق الخلاب .

إذ علمتُ منها أنها كانت في قضاء شهر العسل مع إبن عمها الذي تزوج بها في الريف طوال تلكَ الفترة .

قررتُ حينها أستأناف الرحيل من جديد وشكرتُ جميل صنيع تلك العيون الخلابة وهي لاتبصر النور والتي أبصرتني دربي في هذه الحياة الصعبة الجميلة بحلوها ومرها واذاقتني طعم النجاح لاول مره وعلمتني دليل الحياة 

Advertisements